التعاونيات نموذج اقتصادي واجتماعي يكفل الصمود.. لكنه مفقود!!

التعاونيات نموذج اقتصادي واجتماعي يكفل الصمود.. لكنه مفقود!!

 

القانون متهالك والسياسات غائبة والحكومة مهملة بقصد ولا تتبنى النموذج ....
الاتحاد غير فاعل والجهود مشرذمة والإحصائيات متناقضة حول القطاع التعاوني ...


 

لعبت الحركة التعاونية في فلسطين دورا مهما خلال الحقبة الماضية في تحقيق الاكتفاء الاقتصادي الذاتي كأداة نضال وتحرر وطني، بخاصة خلال سنوات الانتفاضة الأولى، في حين عملت التعاونيات على تعزيز وتطوير العلاقات المجتمعية بخاصة بين القطاعات الزراعية والاقتصادية، وبقيت هذه الجمعيات تمارس دورها سنوات طويلة على الرغم من تعرضها لمحاولات الطمس والاحتواء من قبل العديد من الجهات بخاصة من قبل "إسرائيل"، ومنذ قيام وتأسيس السلطة الوطنية تعاني هذه الجمعيات من التهميش وعدم الاهتمام الرسمي وتوفير الدعم المالي وكذلك غياب قانون عصري يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لا سيما أن قانون التعاونيات يعود لأكثر من 50 عاما دون تعديل أو تغيير، كذلك فان غياب اتحاد تعاوني بشكل فعلي يعيق تطور وتقدم عمل التعاونيات وكذلك فإن هذه التعاونيات لا تتعامل بمفهوم تعاوني مرتبط بالعمل الجماهيري والتطوعي، والأخطر من ذلك عدم قدرتها على تسويق منتجاتها الزراعية واليدوية.


 

حول أهم وابرز التحديات والمشاكل التي تعاني منها التعاونيات في فلسطين وكذلك دور التعاونيات الوطني والاقتصادي والمجتمعي على مدار السنوات الماضية تحدثت سهى نزال منسقة مشروع التعاونيات في مركز بيسان للبحوث والإنماء لـ(حياة وسوق) وقالت: "مفهوم الجمعية التعاونية يتضمن مبادئ العمل التعاوني السبعة من عمل جماعي وتطوعي وإنتاج للأساسيات والابتعاد عن النمط الاستهلاكي الذي يعمق من التبعية للسوق، وكفاءة استثمار الموارد المحلية بشقيها البشرية والمادية خاصة أن مجتمعنا الفلسطيني مجتمع زراعي، وتشكل الأرض المورد الأساسي ووسيلة الإنتاج الأساسية فيه، لذا كان التركيز على التعاونيات الإنتاجية الزراعية كنموذج تنموي اقتصادي يساهم في خلق اقتصاد معتمد على الذات وغير تابع بل متصادم مع اقتصاد الاحتلال، نموذج ينضج فيه العامل الذاتي ليرتقي بالتعاونيات لتصبح وسيلة تنظيم ذاتي قادرة على الإنتاج الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي وتقوية الناس من أجل المقاومة والصمود ومجابهة التحديات".


 

وأشارت نزال إلى أن واقع التعاونيات يمكن تناوله من جانبين، الأول: على المستوى العام الرسمي، حيث أن التعاونيات لا تحظى باهتمام على مستوى السياسات العامة ولا تخصص لها موازنات كون القطاع الزراعي أصلا لا يحظى باهتمام وبموازنات كفيلة بارتقائه إلى مستوى المساهمة في التنمية الشاملة، بالإضافة إلى أن قانون التعاونيات قانون صادر منذ 55 عاما ولا يتماشى مع تطور الحركة التعاونية، ولا يعبر عن صيغ ديمقراطية حقيقية للتعاون، وغياب اتحاد تعاوني عام ناظم وداعم للحركة التعاونية بشكل فعلي وحقيقي. أما المستوى الثاني فمرتبط بالتعاونيات نفسها، حيث تعاني معظم الجمعيات التعاونية من نقص حاد في مفهوم العمل التعاوني، وفي المفاهيم الأساسية المرتبطة به كالعمل الجماعي والتطوعي، ولديها ضعف في البنية والمهارات الإدارية والتنظيمية، لديها ضعف في تسويق منتجاتها خاصة أن غالبيتها غير مرخصة، وضعف رأسمال التعاونيات في ظل غياب الدعم المادي لمشاريعها الإنتاجية وبالتالي تتسم مشاريعها الإنتاجية بالهشاشة ولا تستطيع الصمود أمام التحديات التي تواجهها كالكوارث الطبيعية وغيرها.
 

 

دور طليعي متميز


وأضافت نزال أن التعاونيات لعبت دورا طليعيا خلال الانتفاضة الأولى أواخر الثمانينيات، ويمكن اعتبارها حركة جماهيرية عامة آنذاك عملت على تنظيم وقيادة الانتفاضة من خلال القيادة الوطنية الموحدة - وكان من أهم اذرعها التعاونيات - حيث سادت مفاهيم العمل التعاوني والجماعي والتطوعي كأداة لمقاومة الاحتلال وتوفير سبل الحياة لأفراد معتمدين على ذواتهم، ومكتفين ذاتيا خاصة أن تلك الفترة امتازت بالمقاطعة الكاملة للمنتوجات الإسرائيلية، وبالتالي كان الإنتاج التعاوني بمثابة البديل، ويمكن القول أن نموذج التعاونيات ودورها الطليعي كان بإمكانه الاستمرار، ولكنه عانى من نقص في رأس المال وعدم متابعة قيادة م.ت.ف لاستمرار مقاطعة منتوجات الاحتلال حيث تم توقيع اتفاق أوسلو وما تبعه من اتفاقيات كاتفاق باريس الاقتصادي الذي عمق من التبعية الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي.

 

وقالت نزال أن العمل التعاوني عرف في فلسطين في العقد الثاني من بداية القرن العشرين، مع الانتداب البريطاني واخذ شكلاً أولياً من التعاون من خلال مساهمات أعضاء الأسر الممتدة والعمل المشترك وإعادة تقسيم الناتج حسب المساهمات واقتصر على العمل الزراعي، ومن أهم أنواع التعاونيات: الزراعية، عصر الزيتون، الصيد السمكي، الخدمات والتعاونيات الاستهلاكية.  

 

وخضعت التعاونيات في الضفة إلى القانون الأردني للتعاون للعام 1956، والذي ما زال ساريا في الضفة حتى الآن، وخضعت تعاونيات القطاع إلى القانون المصري للتعاون للعام 1933 وما زال ساريا في القطاع. أما في ظل الاحتلال فقد حاول الاحتلال تقليص التعاونيات الإنتاجية، وعمل على تنشيط تعاونيين في أواخر السبعينيات من خلال روابط القرى العميلة، كي يعزز من تأثير الروابط في الأرياف، وهي ذريعة لخلق قيادات سياسية بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، كما أنه عدل القانون الخاص بالجمعيات، عبر أوامر عسكرية مختلفة أهمها التدخل في انتخاباتها ونتائجها، وفي ظل السلطة الوطنية وبالرغم من تشكيل السلطة لدائرة خاصة بالتعاون في وزارة العمل إلا أنها ما زالت تخلو من أية توجهات أو خطط إستراتيجية تعزز وتدعم العمل التعاوني رغم انعقاد المؤتمر التعاوني وحضور د. سلام فياض لهذا المؤتمر.
 

 

عدد التعاونيات المسجلة


وحول عدد التعاونيات نوهت نزال إلى انه بناءً على تعداد المنشآت الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2007، بلغ عدد التعاونيات المسجلة حوالي 850 تعاونية يعمل فيها 424 مشتغلا، منها 10 تعاونيات ترأسها نساء ويعمل فيها 120 مشتغلا، فيما بلغ عدد التعاونيات بناء على تصريح وزير وزارة العمل احمد مجدلاني بمناسبة يوم التعاون العالمي في تموز 2010 حوالي 850 جمعية تعاونية تضم في عضويتها 55 ألف عضو، منها 553 جمعية عاملة، و297 جمعية مصنفة بأنها غير فاعلة. وفي هذا الإطار يبلغ عدد النساء المشاركات في جمعيات تعاونية نسوية 7052 موزعات على 40 تعاونية نسوية، إضافة إلى أكثر من 3 آلاف عضوة مشاركة في تعاونيات مختلطة مع الرجال وموزعة على 60 تعاونية بأنواعها المختلفة، مشيرة إلى أن هذه الأرقام تحتوى على فجوة عالية ما بين إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء وتصريح وزير العمل ما يعكس حقيقة عدم وجود إحصاءات دقيقة لعدد التعاونيات، خاصة أننا نتحدث عن وجود عدد كبير من التجمعات التعاونية التي لم تسجل رسميا بعد بسبب الإجراءات البيروقراطية وعدم وجود إجراءات واضحة للتسجيل من جهة، ومن جهة ثانية الالتزامات المادية المطلوبة في حال التسجيل وصعوبة جدولة هذه الالتزامات خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها شعبنا الفلسطيني التي من المفترض أن تأخذ وزارة العمل دور الميسر فيها وليس المنفر. وتتوزع التعاونيات ضمن خبرتنا المتواضعة ومن خلال المشروع على جميع محافظات الضفة ولكن لا تتوفر لدينا معلومات دقيقة عن طبيعة التوزيع الجغرافي للتعاونيات.
 

 

غياب السياسات الجاذبة
 

وأضافت نزال: "بشكل عام فإن غياب السياسات والقوانين الداعمة والجاذبة للتعاونيات من أهم الضغوطات التي تتعرض لها خاصة غياب الخطط الإستراتيجية التي من شأنها النهوض بالحركة التعاونية وضرورة سن قانون عصري جاذب وحامٍ للتعاونيات. واعتقد انه من غير الممكن تجاوز ذلك إلا من خلال: أولا، توجه السلطة الحقيقي تجاه تنمية شاملة معتمدة على الذات ومقاومة للاحتلال بما فيها التعاونيات، وثانيا، تنظيم حملات تعبئة وضغط ومناصرة من اجل توعية الجماهير بأهمية وضرورة تبني نهج العمل التعاوني (هناك ضعف في هذا الجانب) ومن اجل الضغط على أصحاب القرار من اجل تبني هذا التوجه".

 

أما عن العقبات الأخرى التي لها علاقة بالقوانين، فأشارت نزال إلى أن القانون الساري، والناظم للتعاونيات وعملها هو القانون الأردني لعام 1956، وهنا نتحدث عن قانون عمره أكثر من 55 عاما، وهذا يشير بشكل كبير إلى عدم الاهتمام بالتعاونيات وتنظيمها من قبل المستوى الرسمي بشكل عام والتشريعي بشكل خاص. هذا القانون تنقصه الكثير من المواد الناظمة التي من شأنها فسح المجال أمام بناء وتطوير الحركة التعاونية، فمثلا تنقصه حرية واستقلال التعاونيات كقطاع عن الجهات الأخرى، وتبقى التعاونيات تدار من قبل هيئة تحت دائرة التعاون في وزارة العمل وفق القانون بدلا من أن تكون مستقلة في بنيتها وبرنامجها وإدارتها، كما أن نصوصه تخلو من بنود الحماية الاجتماعية التي بحد ذاتها هي عامل محفز لإطلاق وتعميق الاهتمام بالتعاونيات، علما أنه منصوص عليها كحق لكل المواطنين في القانون الأساسي الفلسطيني.
 

 

دور تنموي لمواجهة الاحتلال
 

ويعمل مركز بيسان للبحوث والإنماء مع عشرات التعاونيات والعديد من المؤسسات الأهلية والأطر والاتحادات النقابية والنسوية.


وتقول نزال أن المطلوب هو نموذج للتعاونيات يسهم بدور تنموي يعزز من صمود الناس وقدرتهم على البقاء والمقاومة، إضافة لما يعنيه من تقوية وتعزيز لبنى المجتمع باعتبارها نماذج من التنظيم الذاتي التي تصلب بنية المجتمع وتربط ما بين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وما يعنيه هذا النموذج من معان لسياسات الاعتماد على الذات وزيادة الإنتاج المحلي وسد ما أمكن من الاحتياجات، لذا فالجهات المسؤولة، تشريعية وتنفيذية، تتحمل المسؤولية الكبرى من حيث أنها المسؤولة عن السياسات والقوانين العامة، ومطلوب منها سياسات وقوانين ناظمة تشجع حقيقة وتفسح المجال أمام تطوير الإنتاج والاعتماد على الذات، وليس تعميم السياسات "الليبرالية الجديدة" التي تفتح الأسواق وتمنعنا من بناء وتطوير هذا النموذج ومختلف النماذج الاقتصادية الأخرى. كما انه يلزم تبني وصياغة وإقرار القوانين والأنظمة التي تهدف إلى الفكاك من اقتصاد الاحتلال ومقاطعته بشكل شامل، والفكاك من الاتفاقات مع الاحتلال التي أثبت الواقع وصيرورته أنها وضعت لتأبيد تبعيتنا وعدم استقلالنا مثل اتفاق باريس الاقتصادي، مثلما التخلص من القوانين المتقادمة واستبدالها بقوانين عصرية على الصعيد الداخلي الفلسطيني بطريقة تضمن مشاركة وتلبية مطالب القطاعات التنموية في ظروف وشروط أفضل، بما فيها التعاونيات لتكون قطاعات منتجة وفاعلة.
 

 

العلاقة بين التعاونيات


وأوضحت نزال أن هنالك علاقات بين العديد من التعاونيات، خاصة تلك المتشابهة في خطوط الإنتاج، ولكن هذه العلاقة لا ترقى إلى مضمون العلاقة التنسيقية المركزة والمنتظمة، التي تستهدف تبادل الخبرات بشكل عميق، أو لتبادل المواد الأولية أو النهائية للمنتوجات التي تحتاجها أو تنتجها. التعاونيات اليوم تتحسس حاجتها لعلاقات وطرائق تشبيك وتواصل فيما بينها، وتفتقد مثل هذه العلاقة التي تعمل من أجل تطوير وتدعيم بنية الحركة التعاونية، وتحليل واقعها وسياقه وآفاق التطور، وصياغة مطالبها الجماعية التي لا يمكن تلبيتها من خلال الأداء الفردي لكل تعاونية، مثل المطالب القانونية وتوفير الحماية الاجتماعية للتعاونيات والتعاونيين.

 

أما علاقتها مع الحكومة، فهي قائمة من خلال القانون المشار له، وقالت نزال: "إن الحكومة ومن خلال سياساتها العامة، والقانون الخاص بالتعاونيات، لا تعمل من أجل تعزيز دور التعاونيات، فالتعاونيات نموذج يحتاج لتقويته وتوفير شروطه للإسهام في الاقتصاد والاجتماع والسياسة ودمقرطة المجتمع، كيف يمكن لذلك أن يتم والحكومة تتبنى سياسات ليبرالية تفتح السوق أمام وكالات الاستيراد ومختلف المصدرين؟!"  

 

سياسات كهذه لا تنمي الدور الإنتاجي الذاتي وتطويره، وبالتالي لا تنمي التعاونيات. الحكومة لا تعمل على مقاطعة الاحتلال بالمفهوم الشامل وهو يغرق أسواقنا ويفسد مواسم المزارعين من هذا الإغراق ... فكيف لذلك أن يتوافق مع النموذج التعاوني؟ ... وبخصوص القانون الناظم الساري، هو متقادم منذ 1956، ولا يتيح لبنية تعاونية مستقلة بالإدارة والبرنامج ولا يتضمن الحماية الاجتماعية المنصوص عليها بالقانون الفلسطيني الأساسي فهذا أيضا يؤكد أن الحكومة لا تعمل على ما يعزز التعاونيات، بل أن هناك إحلالا لسياسات أخرى تعيق هذا النموذج وقصورات أخرى، تتحمل الحكومة مسؤولية كبيرة عنها في ظل غياب سياسات تعزيز التعاونيات، مثلما تخفق السلطة حتى في إدارة المساعدات الواردة لها، وهذا ما أثبتته المراجعات والدراسات بخصوص الفقر والبطالة وأحوال الناس.

 

المصدر: حياة وسوق – ملكي سليمان

http://www.alhayat-j.com/newsite/details.php?opt=7&id=153242&cid=2405