تحليلات

عداد الدفع المسبق، وخصخصة المياه، ووحشية رأس المال

تعقيبا على ما قاله رئيس سلطة المياه الفلسطينية د. شداد العتيلي إن الحكومة الفلسطينية صادقت مؤخراً على قرار تركيب عدادات الدفع المسبق للمياه، للحد من المشاكل المترتبة على عملية الدفع من قبل المواطن للهيئات المحلية!

عبر مركز بيسان عن استهجانه ورفضة للمضي في تطبيق عدادات نظام الدفع المسبق  للمياه، وكان المركز قد حذر مسبقا من المخاطر الإجتماعية لتطبيق هذا النظام، في دراسة له بصيف عام 2012.

لكن ما هي الفكرة الأساس من عداد الدفع المسبق؟

 أولاً عداد الدفع المسبق هو الضمان لكي تتحول ضرورات الوجود والحياة ذاتها إلى سلعة قابلة للاستثمار من قبل رأس المال، وهي لذلك أساسية من أجل خصخصة قطاع المياه، وهذه العملية أي الخصخصة تقف على رأس أولويات السلطة الفسطينية في سياق خصخصة كل شيء وتسليعه بما في ذلك الوقود، والكهرباء، والماء بالذات.

 كأننا في مواجهة سلعة مثل السجائر أو المشروبات أو سيارة المرسيدس، من يمتلك الثمن يستطيع أن يتمتع بترف الحصول على السلعة، ومن لا يمتلك عليه أن يعاني عجزه عن ذلك. لكن صانع القرار الفلسطيني لا يدرك –أم تراه يدرك؟- أن تحويل الماء إلى سلعة معناه وضع حياة الإنسان ذاتها تحت رحمة قانون السوق الذي لا يرحم. ولن تقوم مؤسسة ربحية بتوزيع الماء مجاناً عاش من عاش ومات من مات، فالربح هو القيمة الوحيدة بالنسبة للاستثمار الرأسمالي، ولسنا نلوم المستثمر على ذلك، ولكننا نوجه اللوم بل الاتهام لمن يسمح وييسر ويشرع تحويل الماء وأساسيات الحياة إلى سلع للتداول في السوق، في الوقت الذي لا تفعل فيه ذلك مراكز الرأس مال العالمي ذاتها باستثناء بريطانيا مثلما أسلفنا أعلاه.

تبني اقتصاد السوق واللهاث نحو الخصخصة:             

في فلسطين التي تنفرد بين البشر بدستور ينص على الالتزام بقدسية السوق، يتم ابتلاع وصفات البنك الدولي التعسة بدون تفكير في أهون الأحوال، أو مع سابق إصرار وروية في أسوئها.

لا يوجد بلد عربي واحد يطبق فكرة عداد الدفع المسبق فيما يخص تزويد المواطن بالمياه. ويوجد بلدان قليلة تفعل ذلك في مستوى الكون من قبيل بريطانيا وجنوب أفريقيا وبعض الولايات في دولة الولايات المتحدة. وعلى الرغم من ذلك، فإن أسعار المياه في هذه البلدان أرخص بكثير مما هي عندنا، ولا بد أن ذلك أمر غير مفهوم بالنظر إلى أن مستوى الدخول في هذه البلدان هو عشرات أضعاف ما هو لدينا. ومهما يكن من أمر فإن فاتورة المياه عندهم قد لا تزيد بحال من الأحوال عن ثلاثة في المائة من متوسط الدخل. أما عندنا فهي تهدد جيوب متوسطي الدخول ناهيك عن الفقراء والحالات الاجتماعية.

هل يعقل أن لا يستطيع مواطن ما الذهاب إلى الحمام أو أن يحلق ذقنه في الصباح لأن بطاقة الدفع الذكية استهلكت الساعة الحادية عشرة ليلاً ونفذ الماء؟!. أليس هذا درباً من الانحطاط بالإنسان إلى مستويات يعجز عنها ظرف الزنازين بالذات!؟. يقول بعض الظرفاء في رام الله إن بعض الفيلات في الطيرة والمصيون قد ظلت بدون كهرباء لبعض الوقت خلال المنخفض العاصف الشهر الماضي لأن أصحابها لم يتمكنوا بسبب تعطل كل شيء من الحصول على الكهرباء على الرغم من أنهم من الفئات الميسورة القادرة على شراء الخدمة وبالسعر الذي يحدده المزود. ماذا يفعل الفقراء في هذا السياق؟ هل يمكثون مرتين أو ثلاث مرات في الشهر بدون كهرباء لبعض الوقت؟ وهل سيتكرر هذا السيناريو مع "سلعة" الماء الأشد خطراً؟

الصحة العامة والأمراض:

حتى في بريطانيا العجوز العظمى وصاحبة براءة اختراع خصخصة المياه تم بعض التراجع عن التطبيق الحرفي للفكرة بعد أن انتشرت الدوسنطاريا في بعض أحياء الفقراء على إثر تركيب عداد الدفع المسبق. أما في كوازولو في جنوب أفريقيا التعسة بالتخلص من التمييز العنصري ومجيء حكومة سوداء أجرأ من سلفها الأبيض على التلاعب بحياة العباد فقد أصيب قرابة 114000 من سكان المنطقة المعدمين بالكوليرا بعد استخدام العداد سيء السمعة مباشرة. وهذه عينات من المخاطر الصحية التي يمكن أن تترتب على وضع المصلحة الاقتصادية العمياء لرأس المال أو المصلحة المتصلة بتوفير المياه –لإرضاء البنك الدولي وإسرائيل- في المكان الأول، ووضع حياة الإنسان الفلسطيني في المكان الثاني.

وماذا عن الأخلاق العامة؟

 ما الذي سيحصل عندما تصبح الخدمة مدفوعة مسبقاً؟ سوف تصبح ظاهرة سرقة المياه إحدى العناوين الرئيسة للنزاعات والمشاكل لترفع نسبة العنف وتقدم سبباً آخر لتقويض السلام الاجتماعي. غريب بالفعل أن صانع القرار الفلسطيني لا يدرك هذه البدهية، في سد الطرق في وجه الناس الفقراء بحيث لا يظل أمامهم من طريق إلا سرقة المياه من خزان أحد الجيران المحظوظين. إن هذا للأسف سيؤدي إلى نشر السرقات على نطاق واسع...

وأخيراً نستطيع أن نقول بثقة تامة إن خصخصة المياه ستؤدي إلى تعميق معاناة الفئات الشعبية. ونستطيع أن نتوقع على الفور أن نقص المياه في المنزل سوف يدفع ثمنه الأطفال والنساء والمعوقين والكبار..

إننا في بيسان، إذ نحذؤ من المخاطر التالية لتطبيق هذا النظام:

  1. إن تطبيق هذا النطام سيزيد من معاناة الفئات الشعبية والفقيرة، ويخلق تكلفة إجتماعية باهظة في المجتمع.
  2. هنالك تكلفة صحية باهظة تتهدد الفقراء ومحدودي الدخل والحالات الإجتماعية.
  3. إن تطبيق هذا النظام هو تجسيد لسياسات السلطة الفلسطينية في مضيها قدما في تسليع الخدمات الاساسية وتحويلها سلعا للبيع بدلأ من أن تكون حقوقا للناس.
  4. القطاعات الشعبية هي المتضرر العريض، مقابل قلة بسيطة من شركات القطاع الخاص هي التي ستنتفع من تطبيق هذا النظام، وهذا أيضا يمثل تجسيدا لتبني السلطة الفلسطينية نهج الخصخصة ووضع الناس تحت رحمة الإستثمار وجني الارباح.

وعليه نهيب بكل القوى والأحزاب والفعاليات التحرك لوقف استمرار سياسات الخصخصة والتسليع وحماية المواطن.

لفثيان ذو الرؤوس السبعة واستيراد الغاز "الإسرائيلي"

هل هي صدفة أن بئر الغاز الإسرائيلي الأكبر الذي دخل الخدمة حديثاً اسمه لفثيان "الأفعى الكنعانية الحاضرة أيضاً في الكتاب المقدس والتي تمتاز بأن لها سبعة رؤوس"؟ ربما لا، فها نحن نشاهد أحد رؤوس لفثيان ينقض علينا عبر اتفاقية استيراد الفلسطيني للغاز "الإسرائيلي" لمدة 20 عاما!!  تم توقيعها يوم الأحد الموافق 5/1/2014 في "الأميركان كولوني" في القدس بين رؤساء ثلاث شركات وقود "إسرائيلية" وبين د. عمر كتانة وزير الطاقة الفلسطيني.

قيمة الصفقة 1.2 بليون دولار، لكن الأرقام على أهميتها ليست مهمة لنا في هذا المجال. ذلك أن من المهم أن نعرف لماذا نختار "البزنس الإسرائيلي" في هذا القطاع من الطاقة الأحفورية على الرغم أن البلاد العربية تعوم فوق محيطات الغاز والنفط!؟

مالك مجموعة "ديلك يتسحاك تشوفا" قال: "أؤمن أن اقتصادًا قويًا وثابتًا بين الطرفين سيؤدي إلى السلام والثبات في المنطقة بكاملها - وسيستفيد الجميع من الازدهار والنمو الاقتصادي".

أضاف "تشوفا": "السلام هو عمل مشترك، تعاون اقتصادي، احترام وثقة متبادلة. سيساعد التعاون الاقتصادي مثل الاتفاقية التي تم التوقيع عليها اليوم، على التقريب بين الدول، وسيساهم في بناء أساس للسلام." ليس هذا فحسب ولكن فكرة ازدهار فرص العمل في فلسطين تظل حاضرة، وهذه بالطبع أنشودة نسمعها طوال الوقت عن دور مشاريع معينة في استنهاض فرص العمل، ثم يتبين بعد ذوبان الثلج أن تحته أرض جرداء لا علاقة لها بالخضرة من قريب أو بعيد. مثلما هو الحال مع مشاريع المناطق الصناعية في الأغوار، في حين أن الأغوار نفسها سوف تتبخر ليس بسبب الحر، ولكن بسبب المواقف الأمريكية "الباردة" جداً مثلما طقس نيويورك ونيوجرسي في هذا الشتاء.

يجب أن نتذكر أن السلطة الفلسطينية تعتمد في توريد الكهرباء وحاجاتها من الغاز والوقود على "إسرائيل" بموجب اتفاق (باريس)، وبإمكان الوزير كتانة أن يقول ذلك في دفاعه عن نفسه إذا سألناه مثلاً:  لماذا لا تقوم قطر بتزويد السلطة الفلسطينية بالغاز بدلاً من تمويل بناء محطة في جنين تستورد الغاز من "إسرائيل"؟ ولكننا ربما نفاجأ بأن الأردن سيكون الشريك الآخر "لإسرائيل" في تجارة الغاز مفضلاً إياه على الغاز القطري –ربما بمباركة قطرية-. والمثير للقليل من الدهشة أن تركيا أيضاً بحسب وسائل الإعلام ستساهم في البحث عن أسواق أخرى للغاز "الإسرائيلي"!

"يتسحق تشوفا" من لفثيان إضافة إلى ممثلين عن ديلك يتحدثون عن السلام وتعميقه. والسلام مثلما هو واضح إنما يعني حرية استباحة التجمعات الفلسطينية التي لا تختلف عن المعازل والجيتوهات كثيراً. وإلا كيف نفسر منع السلطة من تطوير حقل "غزة مارين" وإجبارها على شراء الغاز من مصدر واحد هو "إسرائيل"؟! على الرغم من أن الأشقاء العرب يختنقون برائحة غازهم الذي يكفي لتغطية المعمورة؟ أليس من باب الكوميديا أن قطر بالذات التي تحوز احتياطياً خرافياً من الغاز هي التي ستمول محطة الطاقة الفلسطينية التي ستبتاع الغاز من "إسرائيل"؟ أية مصلحة لقطر أو فلسطين في ذلك؟ إنها أسئلة برسم البحث عن إجابة لدى من يعرفون ويهتمون.

وربما يفيدنا هنا بعض التفاصيل عن "حقل مارين" الذي يمكن أن يسد حاجة الضفة والقطاع. هذا الحقل الضخم يتجاوز في احتياطه حقل لفثيان، ويمكن أن يجعل فلسطين مصدراً للغاز للأردن –وربما سوريا أو لبنان- بدلاً من قيام "إسرائيل" بذلك. وإذا كنا لا نستطيع استيراد الوقود من آخرين، فإن علينا أن نصر على استثمار مواردنا، وإلا ما فائدة وجود الموارد إن كان كل شيء في حاجة إلى الضوء "الإسرائيلي"؟ ألا يعني ذلك أن الأفضل والأولى أن نبحث عن حد أدنى من استقلال القرار قبل هدر الوقت في الكلام على المشاريع والتنمية وكل ما لفها؟ واقع الحال أننا نتوهم أن بالإمكان العمل في الاقتصاد وما إليه مع إغفال السياسية، لكن ذلك غير ممكن. وقد عبر درويش عن ذلك ذات مرة بوضوح بليغ: ومن لا بر له، لا بحر له. ولكن أين القيادة السياسية من ذلك؟

ومن هنا فإن مركز بيسان، إذا يستهجن ويستغرب ويرفض مثل هذا الإتفاق، وعليه فإن المركز يؤكد على التالي:

•         ضرورة الغاء هذا الإتفاق لما يتضمنه من تعميق لتبعية الإقتصاد والقرار الفلسطيني للمحتل الصهيوني.

•         ضرورة الضغط الشعبي على السلطة الفلسطينية، للفكاك من  المشاريع والتعاقدات السياسية والإقتصادية وغيرها مع المحتل.

•         أن هذا الإتفاق يكرس التبعية ويخضع الإرادة الفلسطينية لمدة 20 عاما من التكبيل المستقبلي، وهذه مسؤولية تتحملها السلطة الفلسطينية وحدها.

تقرير موسع "للتدريب الاخلاقي "لوكالة الغوث

دعوة

يتشرف مركز بيسان للبحوث والإنماء بدعوتكم/ن لحضور لقاء موسع لمناقشة " التدريب الأخلاقي لوكالة الغوث" والتداول فيما يمكن لقوى مجتمعنا الحية أن تفعله للوقوف في وجهه، وحماية موظفينا وشعبنا من الآثار المترتبة عليه.

 يعقد اللقاء في مركز بيسان للبحوث والإنماء وذلك يوم الثلاثاء الموافق 11-6-2013، الساعة الواحدة ظهراً، في مقره الكائن في المصيون، عمارة النهضة، الطابق 3.

 

يأتي هذا اللقاء تتويجاً لقراءة  تحليلية ل " التدريب الأخلاقي لوكالة الغوث"، أتبعها باستطلاع لآراء عدد من الشخصيات السياسية والأكاديمية، أجمع فيها المستطلعون على خطورة الوثيقة على حقوق اللاجئين، وانتهاكها لحرية الموظف/ة وحقوقه الإنسانية ودلالتها على بوادر انحراف في بوصلة الوكالة باتجاه يتناقض مع تطلعات شعبنا وآماله.

برنامج اللقاء:

  1. توزيع التحليل الذي قام به المركز وكذلك التقرير الموسع الذي يشمل استطلاع الآراء.
  2. عرض مختصر للقضية يقدمه اعتراف الريماوي من مركز بيسان.
  3. فتح باب النقاش أمام الحضور.
  4. دراسة إمكانية تشكيل لجنة/لجان لمتابعة الموضوع.
  5. التوصيات.

حضوركم يغني النقاش ويعززه

 

ملاحطة: يرجى تأكيد الحضور على thaer@bisan.org  أو هاتفيا على 022987839.

 

مركز بيسان للبحوث والإنماء

 

 

 

نحو آفاق جديدة: الشباب والأطفال في مخيم الأمعري للاجئين

بعد أكثر من خمس سنوات ومنذ العام 1999، عمل مشروع ركن الجوار للشباب والأطفال على الاهتمام بنشاطات وتلبية احتياجات وآمال الأطفال والشباب في مخيم الأمعري. هذه الخمس سنوات تزامنت مع بعض أكثر الأوقات صعوبة ليس فقط لسكان الأمعري بل لكل الفلسطينيين بشكل عام.

 

مشروع يعرف إطار محدد ولا يعمل على عنونة جميع العراقيل والتهديدات التي يواجهها الشباب الفلسطيني في مخيم الأمعري. ولكن مشاركة المشاعر وتسهيل النشاطات ما هي إلا بمثابة عدسة توضح لنا الصورة لاستيعاب أفضل للوضع ... آمال وخوف الأطفال والشباب في المخيم والإرشاد للبرامج والتخطيط للنشاطات المستقبلية للشباب كلها تساعدنا في فهم أعمق لظروف المعيشة في المخيم.

 

هذا التقرير لا يعد تقييما لمشروع ركن الجوار، بل على الأصح هو تجربة للتعلم من مساندة المشاريع لشباب الأمعري لتحقيق آمالهم وتخطي مشاكل الشباب والأطفال ولتشجيع نشاطاتهم والتمهيد لتوجيههم. وفي إطار البحث، فقد بدى من الواضح أن الشباب الذين شاركوا في نشاطات المشاريع استفادوا، إما في تحسين أدائهم المدرسي في صفوفهم، أو في صقلهم لمهارات اجتماعية أفضل، أو ببساطة في أن يكون عندهم المساحة ليكونوا على طبيعتهم ويتصرفوا على سجيتهم. ولكن هذا المشروع هو مثل كل المشاريع، له نجاحاته وإخفاقاته، اتصالاته واستثناءاته. ولكن هنالك ثمة أمر عام من الممكن أن يكون مشتق من المشروع نفسه، ألا وهو أن الأطفال والشباب يحتاجون ويتجاوبون مع الانتباه الحقيقي والمساند، وأن الكبار والمجتمع يقدر أن يعلم الناس ويتفاعلون مع وجهات نظر الجيل القادم.

ثلاث خطابات ورؤية مفقودة

ثلاث خطابات ورؤية مفقودة

 

المجتمع الأهلي الفلسطيني تأسس تاريخياً ضمن منظومة القوانين العثمانية، وتحديداً الجمعيات الخيرية  والدينية، وتطور ضمن مراحل إلى أن جاءت نكسة عام 1967 ليدخل مرحلة جديدة عمادها العمل الشعبي الواسع المؤطر ضمن لجان العمل التطوعي، والتي أخذت بعدها شكلاً تخصصياً (زراعياً، صحياً...الخ) وأشرفت عليها منظمة التحرير وفصائلها المختلفة من أجل تحشيد الناس في لجان لمواجهة الاحتلال من ناحية، وتغطية النقص في الخدمات نتيجة غياب الدولة ودورها، والعسف المستمر للاحتلال في تدمير البنى الاجتماعية القائمة، أو منع بنى جديدة من النشوء.

 

شهد عقد الثمانينات من القرن الماضي ولادة المنظمات الأهلية التنموية التي ارتكزت على خطاب تنموي مقاوم عماده اقتصاد الصمود، الذي شهد مرحلتي تطور، تميزت الأولى بأن الاقتصاد وجه للصمود بشكل أساسي، فيما تميزت المرحلة الثانية أنها أضافت بعد البناء لأجل التحرير، وارتكزت على شعاري المقاطعة والإنتاج المحلي. وازدادت هذه المنظمات مع بداية عقد التسعينيات، وشهد هذا العقد تنافساً كبيراً بينها وبين السلطة الوطنية الفلسطينية الناشئة على التمويل ومساحات العمل والتأثير. وبشكل عام، وعند مراجعة برامج عمل وخطابات العمل الأهلي، وبرغم وجود تمايزات واختلافات، نجد أن هنالك ثلاثة أنواع من الخطاب التي عكسها عمل هذه المؤسسات وبرامجها، والتي تشمل معظم العمل الأهلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، أولاً الخطاب التنموي، ثانياً الخطاب الحقوقي، وثالثاً الخطاب الخدماتي.

 

في دراسة قام بها مركز بيسان للبحوث والإنماء حول نقد خطاب المؤسسات الأهلية وعملها في فلسطين بعد اتفاق أوسلو[1]، خلصت إلى أن "التحولات التي طرأت على خطاب التنمية في السياق العالمي والفلسطيني بعد توقيع اتفاقية أوسلو وتراجع النضال من أجل التحرر الوطني، وتزامن هذا مع هيمنة الفكر الليبرالي الجديد والرأسمالية الغربية، بما يعيد إنتاج علاقات الاستعمار السياسي والاقتصادي، بينما يتم احتواء القوى التي تحمل إمكانيات أن تقاوم الاحتلال والنظام العالمي من خلال توظيف جزء منها في المنظمات غير الحكومية من هذا المنطلق هل نستطيع أن نقول أن هذه الخطابات الثلاث (التنموي، الحقوقي، الخدماتي) التي تحملها المنظمات غير الحكومية تندرج ضمناً او صراحةً ضمن العولمة الرأسمالية، أم أن هناك أبعاداً مغايرة/ مقاومة؟.

 

أولاً: الخطاب التنموي:

يواجه الخطاب التنموي الفلسطيني عدة مشاكل جزء منها بنيوي، فهناك أربعة فاعلين يتحركون في ساحات التنمية: السلطة الفلسطينية واستناد خطابها إلى بناء الدولة والإصلاح المتفق تماماً مع متطلبات المؤسسات الدولية المختلفة، وعدم مراعاته للواقع الفلسطيني. القطاع الخاص الفلسطيني الذي يمتلك خطاباً ربحياً استثمارياً مع وجود محاولات لتأسيس صناديق المسؤولية الاستثمارية كدعاية أكثر منه عمل تنموي. المجتمع المدني أو بشكل أكثر تحديداً المنظمات غير الحكومية، وهذا ما سنناقشه. الممولين والمؤسسات الدولية التي تحاول أن تمارس هيمنة كاملة على الفاعلين الثلاثة، من خلال العمل على تحديد خططهم وبرامجهم.

 

التحدي الأساسي الذي يواجه خطاب التنمية في فلسطين، والذي يمثل تحدِ حقيقي وبنيوي يتمثل في الاحتلال الاستعماري الاستيطاني وتدميره المنظم والممنهج للمقدرات الفلسطينية، ويتماثل هذا مع غياب سيادة فلسطينية حقيقية على الحدود والموارد البشرية. ورغم غياب السيادة، إلا أن المحاولات التنموية المحدودة التي جرت، ظلت مرتبطة أساساً كردات فعل أكثر منها تخطيطاً موجهاً من أجل تعزيز صمود الفلسطينيين.

 

بالعودة إلى المنظمات غير الحكومية وخطابها التنموي، نجد أن هناك تبايناً في أنواع الخطاب التنموي المقدم منها، فجزء من هذه المنظمات يمارس عملاً تنموياً داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة دون تأطيره بخطاب واضح ومفهوم وبرامج محددة، مما يعني العفوية في العمل، وبالضرورة انتفاء النتائج الواضحة والمؤثرة.

 

فيما جزء أخر يقدم خطاباً تنموياً يتماهى مع خطاب السلطة، وعماده بناء مؤسسات الدولة والإصلاح، متناسين وجود الاحتلال وغياب السيادة، وفشل هذا الخطاب بعد أكثر من عقد على بدء تطبيقه (والمتمثل بخطط التنمية التي وضعتها الحكومات الفلسطينية)، مما يعني ترك الفئات الاجتماعية المحرومة دون تنمية موجهة لهم تنقذهم من عوز الفقر والبطالة، واستناده بصورة كبيرة على مفاهيم عالمية للتنمية دون توطينها محلياً، وتركيزه على مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، دون ربطها بالسياق السياسي/ الاستعماري، بذلك "تكون المنظمات غير الحكومية جزءاً من المهمة الاستعمارية الجديدة القديمة لإدخال التنمية إلى دول الجنوب المختلفة، هذه التنمية التي يراد إدخالها تصبح في المرحلة المعاصرة متجسدة في مفاهيم الدمقرطة التي اعتبرت المخلص الأساسي لدول الجنوب من حالة الفقر و"التخلف" والمفتاح الرئيسي لإنجاز مهمة التنمية".

 

فيما نجد قسم أخر من هذه المنظمات وإن كانت تتبنى خطاباً تنموياً أوضح، إلا أنه يقتصر في كثير من الأحيان على قطاع معين، أو فئة معينة، دون الإحاطة بضرورة تبني خطاب تنموي شامل في مواجهة الاحتلال من ناحية، والعولمة والمفاهيم الليبرالية من ناحية أخرى، مما يعني فقدان إمكانية تركيز الموارد والبرامج التنموية.

 

وحديثاً يبرز خطاب تنموي أكثر جذرية يسميه البعض (التنمية البديلة) وهو نابع من مصلحة الجماهير بالأساس، ويعطي مساحة واسعة للفاعلين المحليين أن يعبروا عن تطلعاتهم التنموية من خلال العمل القاعدي، بالتركيز على الأولويات الفلسطينية الداخلية، وكيفية تلبيتها بالاعتماد على الإنتاج المحلي، والتمويل غير المشروط المتضامن مع القضية الفلسطينية.

 

ثانياً: خطاب حقوق الإنسان:

إشكالية خطاب حقوق الإنسان، وهو أنه وبخلاف التنمية ينحصر تقريباً في المنظمات غير الحكومية الفلسطينية والدولية، بمعنى أكثر غياب الفاعلين الآخرين (القطاع الخاص، السلطة) عن ساحة إنتاج هذا الخطاب من ناحية، ومن ناحية أخرى أن مرجعية الخطاب الحقوقي هي مرجعية عالمية واحدة، لا تميز على المستوى التطبيقي والإجرائي والفكري الأوضاع الاستعمارية التي تخضع لها فلسطين، بالتالي يتم "الحديث عن عولمة الحقوق من ترسيخ وتجسيد للنظام القائم الذي أفرز هذه الحقوق، كما يختفي التساؤل الجذري عن الدور الذي وجدت المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومؤسساتها للعبه، وبينما تعمل الرأسمالية على قمع واضطهاد مجموعات كبيرة من الناس، تعمل مؤسساتها الدولية على إضافة المزيد من الحقوق إلى قائمتها من الحقوق الإنسانية التي تزيد عالميتها كلما زادت عالمية الاضطهاد والقمع الذي تمارسه الرأسمالية".

 

الجدال حول أساس شرعية منظمات حقوق الإنسان ليس بالمهمة الصعبة في ظل عضويتها الواسعة للمنظمات الدولية وتبني خطابها "فلا يكون مستغرباً أن يكون أساس شرعية المنظمات غير الحكومية الفلسطينية وآليات عملها وأهدافها مستمدة ومستندة إلى ما حدث في الغرب"، وهذا لا يعني أن منظمات حقوق الإنسان تتجاهل في خطابها وأهدافها الاحتلال وممارساته المستمرة، ولكن التعامل معه يتم على أرضية المرجعية الدولية فقط، إضافة إلى وجود مآزق التعامل مع الانتهاكات الفلسطينية لحقوق الإنسان في مرحلة الاحتلال.

 

لذا هل يمكن اعتبار منظمات حقوق الإنسان جزءاً عضوياً من الرؤية الفلسطينية للتحرر، أم هي أداة فلسطينية وفق معايير دولية؟! تجيب الدراسة بالتالي: "تعمل المنظمات غير الحكومية الحقوقية ليس كمؤسسات فلسطينية تسعى لإحداث تغيير في المجتمع الفلسطيني أو لتحريره وبناء مجتمع مستقل، كما تبين في رؤيتها بل تبقى مهمتها الرئيسية وهدفها الأساسي هو حماية حقوق الإنسان"، لذا تقوم هذه المؤسسات باستخدام المعايير والأدوات الدولية لإثبات مهنيتها مثل الشهادات المشفوعة بالقسم عند توثيق الانتهاكات، رغم أنها غير مقبولة في سياق وجود احتلال، وكذلك تحويل القضايا الجماعية إلى قضايا فردية، متجاهلة القمع والانتهاكات الجماعية من قبل الاحتلال.

 

المنظمات النسوية الفلسطينية مثال أخر على أجندة حقوق الإنسان، فنجد من مراجعة وثائق وتقارير لمؤسسة نسوية فلسطينية أنها تستخدم مرجعية دولية، وتتلخص هويتها الفلسطينية في نقل المعايير الدولية عن النساء وحقوقهن إلى المجتمع الفلسطيني ونساءه، متجاهلة السياق الفلسطيني وتركيبته وتعقيداته فـ "القمع الممارس من قبل الاحتلال ضد النساء الفلسطينيات يتم التعامل معه وفق معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان، وليس ضمن رؤية نسوية فلسطينية لقضايا النساء الفلسطينيات بما فيها الوطنية"، أضف إلى ذلك تفكيك مطالبات النساء من جماعية تقوم على وحدة الحال والحركة إلى مطالب فئات وأفراد.

 

ثالثاً: خطاب الخدمات:

خطاب الخدمات في العمل الأهلي/ المنظمات غير الحكومية تبلور في مواجهة الاحتلال، ومع مجيء السلطة حصل تنافس بين مجموعة من المنظمات غير الحكومية "مقدمة الخدمات" مع السلطة من أجل الهيمنة على الخدمات والأفراد المنتفعين منها، بما يعني من مشروعية للجهة المقدمة للخدمة.

 

ولكن وخلال مرحلة ما بعد أوسلو تم فرض مبادئ السوق الحرة، حيث يصبح العمل الأهلي قطاعاً يقدم الخدمات في ظل انسحاب "الدولة" من هذا المجال، وأصبح دور هذه المنظمات تعزيز قدرة الأفراد على القيام "بالخيار الاستهلاكي الفردي"، دون ربط هذه الخدمات المقدمة – على أهميتها- مع خطاب تنموي يعزز صمود الناس وقدرتهم على المشاركة في المشروع التحرري من ناحية، والتحرر من قيود السوق التي دفعت بالمزيد نحو الفقر والبطالة والعوز، كما نرى في خطاب مؤسسة صحية خدماتية "تعزيز صمود الشعب الفلسطيني من خلال تعزيز الإدارة التشاركية والكادر المهني المؤهل الذي يملك القدرة على التأثير على السياسات العامة والقطاعية من أجل نظام صحي شامل كحق إنساني أساسي قائم على وثائق وأعراف حقوق الإنسان الدولية"، حيث نرى أن الجزء الوطني ينتهي عن صمود الشعب، بينما يعزز الاقتباس مهنية المؤسسة من ناحية، والارتكاز على المرجعية القانونية الدولية، دون توضيح كيف أن المرجعية القانونية الدولية والمهنية ستعزز من صمود الشعب الفلسطيني.

 

خاتمة: رؤية مفقودة:

في جعبة المنظمات غير الحكومية عدد كبير من المفردات المتشابهة "العقلانية، الخيار الحر، والمنافسة الحرة، وحرية عمل السوق" وكذلك تشابهات كبيرة في البرامج والمشاريع التي يتم تنفيذها "الحكم السليم، حل النزاعات، أو قضايا المرأة وحقوق الإنسان والديمقراطية، سيادة القانون، الرقابة على الانتخابات"، ولكن الحلقة المفقودة هي الرؤية المشتركة لتنمية المجتمع الفلسطيني في ظل وجود احتلال استيطاني من ناحية، وإشباع المجتمع الفلسطيني بخطاب الليبرالية الجديدة الذي تبنته أخيراً السلطة الفلسطينية وتعمل على تعزيزه.

 

الرؤية المفقودة للمنظمات غير الحكومية في مجال التنمية يبدو أمراً مهماً في إضعاف فاعل مهم داخل المجتمع الفلسطيني، ويحد من المساهمة في بناء برنامج وطني مقاوم "التبعية التي تميز عمل ودور المنظمات غير الحكومية الفلسطينية لتلك الخاصة بالمنظمات والهيئات الدولية تجعلها مستجيبة ليس إلى "احتياجات أو تصورات جماهيرها المحلية، بل لمناطق اهتمام وأولويات المانحين" وبشكل عام المساعدات الغربية، وخاصة الأمريكية موجهة بأهداف إستراتيجية كبرى".

 

بالنتيجة نر أنه مع وضوح غايات وأجندات الممولين، يبقى أن تتجه المنظمات غير الحكومية إلى توضيح خطابها وأهدافها بحيث تتسق مع الواقع الفلسطيني، وتعمل على مقاومة الاحتلال، والليبرالية الجديدة وأجندتها.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ملاحظة تستند هذه المقالة برمتها على دراسة "المنظمات غير الحكومية، أداة للتنمية؟ مراجعة مفاهيمية"، للباحثة أميرة سلمي، ضمن وهم التنمية، مركز بيسان للبحوث والإنماء، 2010. ولا تدعي هذه المقالة أو كاتبها أنها تعكس كافة مضمون الدراسة.

 

المصدر: عن جريدة الأخبار اللبنانية:

http://www.al-akhbar.com/node/27607

 

 

مراجعة كتاب وهم التنمية على الجزيرة.نت

                                                                وهم التنمية  عرض/زياد منىقليلة هي الكتب أو الدراسات النقدية التي تتعامل مع الوضع الاقتصادي وتجلياته الاجتماعية في مناطق سلطة الحكم الذاتي، فمعظم ما ينشر يصدر عن السلطة نفسها مما يسمح لها بوضع ما تريده من أرقام وإحصاءات، ومنع ما لا تريد نشره.وهذا الكتاب يقول ما لا تقوله المؤسسات الرسمية، وينقل صورة مفجعة حقًا عن الأوضاع العامة هناك، مستخدما مفردات واضحة تتكلم بالصراحة المطلوبة عند التصدي للقضايا الوطنية.وفي الوقت نفسه فإن البحاثة المشاركين فيه اعتمدوا على الأبحاث الأكاديمية المنشورة محليا وإقليميا ودوليا، لكن عبر نظرة نقدية.يحمل البحث الذي شارك في كتابته خمسة متخصصين، عنوانا دالاً حيث يقود القارئ إلى توقع ما سيعثر عليه في صفحاته.  - الكتاب: وهم التنمية- إعداد: آيلين كتاب، إياد الرياحي، فراس جابر، أميرة سلمى، حازم النملة- عدد الصفحات: 230- الناشر: مركز بيسان للبحوث والإنماء، رام الله، فلسطين المحتلة- الطبعة: الأولى، أكتوبر 2010 المحتوىكل جملة من صفحات الكتاب تنقل معلومة، مما يجعله برأينا مرجعا رئيسيا ليس فقط للنظر بنقدية إلى سياسات سلطة رام الله، بل يجعله أيضًا دليلاً للحاضر وكيفية رسم سياسات وطنية للمستقبل.يضم الكتاب أربعة أقسام تتصدرها مقدمة في نقد التنمية كتبتها آيلين كتاب وقالت فيها اعتمادا على مؤشرات التنمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إن المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967 استحال مجتمعا فقيرا، ليس فقط بسبب سياسات الاحتلال وإنما أيضا بسبب سياسات التنمية الوطنية "التي ركزت اقتصاديا على قطاعات خدماتية وغير إنتاجية لم تستطع تغيير بنية سوق العمل وتوسيعه أو تغيير البنية القائمة على أساس النوع الاجتماعي". المال والسياسةالقسم الأول "المال والسياسة وتشكيل خطاب التنمية" كتبه إياد الرياحي في ثلاثة فصول تتصدرها مقدمة وتنتهي بخاتمة، وهو يقول فيه إن أخطر ما يواجه مشروع التنمية الوطني استمرار تعامل السلطة الفلسطينية معه عنوانا لاستجلاب التمويل الخارجي لا غير، وتعامل المانحين مع التنمية مدخلاً لتحقيق "السلام" لا العكس.هذا قاد إلى إخفاق المستوى الرسمي الفلسطيني في بناء تنمية، وأخفق في الانتقال إلى سلطة بصلاحية سيادية واستقلال حقيقي.انفتاح التحالف الاقتصادي بين القطاع الخاص الفلسطيني ونظيره الإسرائيلي عزز نفوذ الطرف الأخير في السوق الفلسطيني، مما حيد التنافس حتى الطبيعي بين الرأسمالين للفوز بنصيب أكبر من السوق ومنع تطور بنية إنتاجية فلسطينية منافسة.الباحث يلقي باللوم هنا على سياسات السلطة الفلسطينية و"ارتباطات المستوى الرسمي الفلسطيني". " مشاركة النخب الرأسمالية الفلسطينية المعولمة في اتفاقية باريس يدل على توجهها والدور السلبي الذي تؤديه والمنطلِق من السعي لجني الأرباح واتباع السياسات التي تخدمها فقط" التنمية والخصخصةكتب فراس جابر القسم الثاني "خصخصة فلسطين" في ثلاثة فصول ومدخل يقول فيه إن المشروع الصهيوني مشروع سياسي اقتصادي عمل على تثبيت وجوده المادي في فلسطين عبر الاحتلال والاستيطان والاقتلاع..لذا فإن القضية الفلسطينية ليست سياسية فقط، بل أيضا إنسانية واجتماعية وفنية وثقافية وتراثية.وانتقد الكاتب بشدة ممارسات جزء كبير من القطاع الخاص الفلسطيني على صعيد العمل الوطني الذي ارتبط مع الاحتلال بعلاقات ومصالح بنيوية، مما يشرح تبعية قطاعات برجوازية للاحتلال وتماهيها معه. وقد أسهب الكاتب في التعامل مع مختلف تجليات موضوع البحث من خلال التعامل نقديا مع ترجماته المادية مثل "مؤسسة التعاون" و"اتفاقية باريس" الاقتصادية والاقتصاد الفلسطيني "المزعوم" و"سوق الأوراق المالية" ومؤتمرات الاستثمار في بيت لحم التي رأى فيها تطويقا للاقتصاد الفلسطيني وليس استثماره، وغير ذلك.وخلص إلى أن مشاركة النخب الرأسمالية الفلسطينية المعولمة في "اتفاقية باريس" تدل على توجهها والدور السلبي الذي تؤديه، والمنطلِق من السعي لجني الأرباح واتباع السياسات التي تخدمها فقط. منظمات "المجتمع المدني"كتبت أميرة سلمى القسم الثالث "المنظمات غير الحكومية.. أداة للتنمية؟ مراجعة مفاهيمية" تتناول فيه الموضوع ضمن سياق "دور المجتمع المدني في التنمية"، حيث رأت في تطور هذه النزعة تراجعا للنضال من أجل التحرر الوطني واحتواء القوى التي تحمل إمكانيات أن تكون تقدمية قادرة على مقاومة الاحتلال.وقد مارست الكاتبة قراءتها من خلال دراسة أدبيات مؤسسات غير حكومية فلسطينية تعمل في قطاعات الصحة والدفاع والحقوق والسياسات والدمقرطة والخدمات والتنموية وحقوق المرأة، لكن من دون نفي أن الاستنتاجات المأخوذة هنا تسري على تلك القطاعات فقط.وتقول الكاتبة إنها تنظر إلى دور المنظمات الحكومية من منظور من يعمل على تغطية وجه الإمبريالية القبيح، موظفة القوى اليسارية نفسها التي كانت تعارض التوجهات الاستعمارية في دول الشمال مع أنها ترى نفسها بديلاً لها. " المنظمات غير الحكومية تكون مشروع مقاومة وتنمية بالدرجة التي تكون بها هاتان سلعة مطلوبًا الترويج لها في السوق الذي تعمل فيه" وترى أن هذه المنظمات غير الحكومية -لكونها حركات اجتماعية عالمية- لا تعمل خارج النظام العالمي، بل هي في أحسن الأحوال حركات إصلاحية تقوم على أسس ومبادئ ليبرالية وجدت أساسًا لخدمة النظام الرأسمالي العالمي والإبقاء عليه.بكلمات أخرى فإن هذه المنظمات غير الحكومية أداة لترويج الاستعمار الجديد تحت لافتات مختلفة.ومن خلال دراسة وثائق المؤتمرات الدولية وأدبيات تلك المنظمات، تصل الباحثة إلى نتيجة ملخصها أن المنظمات غير الحكومية تكون مشروع مقاومة وتنمية بالدرجة التي تكون بها هاتان سلعة مطلوباً الترويج لها في السوق الذي تعمل فيه.وما دامت تلك السوق هي "الليبرالية الجديدة" فإن المنظمات الفلسطينية غير الحكومية هي الوكيل الموزع في فلسطين ووكيل لمموليها من الاحتكارات العالمية. وهذا يقودها إلى الحسم بأن تلك المنظمات لا يمكن أن تكون أداة تنمية. "مجتمع المانحين"كتب حازم النملة القسم الرابع "مجتمع المانحين وإعادة صياغة المحلي.. مراجعة نقدية في زمن (التنمية) الفلسطيني" منطلقًا من قول لميشيل فوكو "المهمة السياسية الحقيقية هي نقد عمل المؤسسات التي تبدو في الوقت نفسه محايدة ومستقلة، بطريقة تزيل النقاب عن العنف السياسي الذي مورس دوما عبرها".ومن خلال دراسة ممارسات "مجتمع المانحين" وتقديم أمثلة عديدة تدعم منظور دراسته ونتائجها، كما فعل زملاؤه في الكتاب، وصل الباحث إلى استنتاجات منها أن تعامله مع الأنا الجمعية الفلسطينية أعاد تشكيل الواقع، أي المكان والزمان وإعادة مَوضَعة الفرد الفلسطيني ضمنه، وإخراجه من حالة الصراع التحرري إلى مرحلة ما بعد الصراع وبناء الدولة.هذا يعني إعادة موضعة الفرد الفلسطيني ضمن الواقع الجديد ليصبح في حاجة إلى تغيير مفاهيمه حول نفسه، أفرادا وجماعات. " جرى وضع خطاب الإصلاح والحكم الرشيد بمعزل عن أي سياق تنموي حقيقي للفلسطينيين الخاضعين لاحتلال عسكري منذ أكثر من ستين عاما، وبفعل القوة والمال استطاع المانحون أن يجعلوا منه الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية" ويوجه المؤلف نقدا لاذعا إلى النخب المثقفة الفلسطينية حيث يقبل استنتاجات من سبقه من البحاثة فيقول على لسان أحدهم "المثقفون الفلسطينيون الجدد كمبرادورات ثقافية تعمل في مجال الاستيراد والتصدير".يصدرون نتائج استطلاعات الرأي والمعلومات الاجتماعية والاعتذارات الرسمية والذكريات الشخصية، إضافة إلى صورهم وأصواتهم في صفحات الجرائد والمحطات التلفزيونية الغربية.وفي الوقت نفسه يستوردون أفكار صندوق النقد الدولي ومشاريع البنك الدولي والمبادرات الدولية والدعم المادي الغربي لمؤسساتهم، ويقفون في وجه أي محاولات أو ممارسات نقدية تخرج من الوطن أو الشتات، وهم مرتبطون طبقيا بالمصالح والسياسات الإمبريالية. النتيجة: أخبار سيئة من فلسطينلقد جرى وضع خطاب الإصلاح والحكم الرشيد بمعزل عن أي سياق تنموي حقيقي للفلسطينيين الخاضعين لاحتلال عسكري منذ أكثر من ستين عاما، وبفعل القوة والمال استطاع المانحون أن يجعلوا منه الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية، وإن ارتأت الأخيرة القول إن تنفيذ برنامج الإصلاح والحكم الرشيد يضع الفلسطينيين على الطريق الذي يقود إلى الدولة المستقلة.المهم هنا تأكيد أن البحاثة قدموا أمثلة حية تؤكد وتدعم استنتاجاتهم وقراءاتهم للواقع الفلسطيني في مناطق "السلطة الوطنية" ولم يقصروا أعمالهم على تقديم آراء نظرية، وهو ما يزيد من أهمية البحث.هذا العمل مهم أيضا لطليعة "الربيع العربي" الحقيقية أو المنتحلة الصفة، المحاصر بين شتاء قارس البرودة وصيف جاف شديد الحرارة، لأنه يقدم نظرة ثاقبة لدور "مؤسسات المجتمع المدني" التي تتلقى الدعم من الغرب الاستعماري.وبينما يكشف البحث الجماعي هذا عن أوهام التنمية في مناطق السلطة الفلسطينية، يمثل في الوقت ذاته دراسة لما سيتطور الأمر إليه في عالمنا العربي الذي يخوض الآن أشرس المعارك من أجل استقلال وطني حقيقي، إذا ما تم تجاهل الدور الأساسي للدول المانحة ومنظمات المجتمع المدني وما إلى ذلك.هذا الكتاب مهم ويحوي معلومات تخص كل من يعمل في الشأن الوطني ليس فقط الفلسطيني وإنما العربي أيضا، وقراءته بتأن ووعي تساعد في كشف مدى الكارثة التي ألحقتها سلطة أوسلو بالمجتمع الفلسطيني في مناطق الاحتلال، وكيفية تجنب الوقوع في هذه الهاوية مستقبلاً. http://www.aljazeera.net/NR/exeres/74717EF0-D6BB-47BB-9C9E-6B9F3520AF9A.htm  

من نقد الحداثة إلى مقاومتها

من نقد الحداثة إلى مقاومتها، ورقة عمل من إعداد خالد عودة الله وهي ضمن حلقة دراسية موسعة حول مفهوم النقد عقدها مركز بيسان.الحلقة درست المفهوم من خلال مراجعته وتحليله نظرياً وتطبيقياً في السياق الفلسطيني، وشارك فيها العديد من المهتمين والباحثين والأكاديميين.تناولت الحلقة النقد من أربع جوانب وهي: رسالة النقد، إشكاليات النقد النسوي، النقد من منظور اليسار، من نقد الحداثة إلى مقاومتها. 

النقد من منظور يساري

النقد من منظور يساري، ورقة عمل من إعداد زكريا النحاس وهي ضمن حلقة دراسية موسعة حول مفهوم النقد عقدها مركز بيسان.الحلقة درست المفهوم من خلال مراجعته وتحليله نظرياً وتطبيقياً في السياق الفلسطيني، وشارك فيها العديد من المهتمين والباحثين والأكاديميين.تناولت الحلقة النقد من أربع جوانب وهي: رسالة النقد، إشكاليات النقد النسوي، النقد من منظور اليسار، من نقد الحداثة إلى مقاومتها. 

إشكاليات النقد النسوي

إشكاليات النقد النسوي، ورقة عمل من إعداد أميرة سلمي وهي ضمن حلقة دراسية موسعة حول مفهوم النقد عقدها مركز بيسان.الحلقة درست المفهوم من خلال مراجعته وتحليله نظرياً وتطبيقياً في السياق الفلسطيني، وشارك فيها العديد من المهتمين والباحثين والأكاديميين.تناولت الحلقة النقد من أربع جوانب وهي: رسالة النقد، إشكاليات النقد النسوي، النقد من منظور اليسار، من نقد الحداثة إلى مقاومتها. 

في رسالة النقد

في رسالة النقد، ورقة عمل من إعداد إسماعيل ناشف وهي ضمن حلقة دراسية موسعة حول مفهوم النقد عقدها مركز بيسان.الحلقة درست المفهوم من خلال مراجعته وتحليله نظرياً وتطبيقياً في السياق الفلسطيني، وشارك فيها العديد من المهتمين والباحثين والأكاديميين.تناولت الحلقة النقد من أربع جوانب وهي: رسالة النقد، إشكاليات النقد النسوي، النقد من منظور اليسار، من نقد الحداثة إلى مقاومتها. 

Subscribe to تحليلات