عداد الدفع المسبق، وخصخصة المياه، ووحشية رأس المال

تعقيبا على ما قاله رئيس سلطة المياه الفلسطينية د. شداد العتيلي إن الحكومة الفلسطينية صادقت مؤخراً على قرار تركيب عدادات الدفع المسبق للمياه، للحد من المشاكل المترتبة على عملية الدفع من قبل المواطن للهيئات المحلية!

عبر مركز بيسان عن استهجانه ورفضة للمضي في تطبيق عدادات نظام الدفع المسبق  للمياه، وكان المركز قد حذر مسبقا من المخاطر الإجتماعية لتطبيق هذا النظام، في دراسة له بصيف عام 2012.

لكن ما هي الفكرة الأساس من عداد الدفع المسبق؟

 أولاً عداد الدفع المسبق هو الضمان لكي تتحول ضرورات الوجود والحياة ذاتها إلى سلعة قابلة للاستثمار من قبل رأس المال، وهي لذلك أساسية من أجل خصخصة قطاع المياه، وهذه العملية أي الخصخصة تقف على رأس أولويات السلطة الفسطينية في سياق خصخصة كل شيء وتسليعه بما في ذلك الوقود، والكهرباء، والماء بالذات.

 كأننا في مواجهة سلعة مثل السجائر أو المشروبات أو سيارة المرسيدس، من يمتلك الثمن يستطيع أن يتمتع بترف الحصول على السلعة، ومن لا يمتلك عليه أن يعاني عجزه عن ذلك. لكن صانع القرار الفلسطيني لا يدرك –أم تراه يدرك؟- أن تحويل الماء إلى سلعة معناه وضع حياة الإنسان ذاتها تحت رحمة قانون السوق الذي لا يرحم. ولن تقوم مؤسسة ربحية بتوزيع الماء مجاناً عاش من عاش ومات من مات، فالربح هو القيمة الوحيدة بالنسبة للاستثمار الرأسمالي، ولسنا نلوم المستثمر على ذلك، ولكننا نوجه اللوم بل الاتهام لمن يسمح وييسر ويشرع تحويل الماء وأساسيات الحياة إلى سلع للتداول في السوق، في الوقت الذي لا تفعل فيه ذلك مراكز الرأس مال العالمي ذاتها باستثناء بريطانيا مثلما أسلفنا أعلاه.

تبني اقتصاد السوق واللهاث نحو الخصخصة:             

في فلسطين التي تنفرد بين البشر بدستور ينص على الالتزام بقدسية السوق، يتم ابتلاع وصفات البنك الدولي التعسة بدون تفكير في أهون الأحوال، أو مع سابق إصرار وروية في أسوئها.

لا يوجد بلد عربي واحد يطبق فكرة عداد الدفع المسبق فيما يخص تزويد المواطن بالمياه. ويوجد بلدان قليلة تفعل ذلك في مستوى الكون من قبيل بريطانيا وجنوب أفريقيا وبعض الولايات في دولة الولايات المتحدة. وعلى الرغم من ذلك، فإن أسعار المياه في هذه البلدان أرخص بكثير مما هي عندنا، ولا بد أن ذلك أمر غير مفهوم بالنظر إلى أن مستوى الدخول في هذه البلدان هو عشرات أضعاف ما هو لدينا. ومهما يكن من أمر فإن فاتورة المياه عندهم قد لا تزيد بحال من الأحوال عن ثلاثة في المائة من متوسط الدخل. أما عندنا فهي تهدد جيوب متوسطي الدخول ناهيك عن الفقراء والحالات الاجتماعية.

هل يعقل أن لا يستطيع مواطن ما الذهاب إلى الحمام أو أن يحلق ذقنه في الصباح لأن بطاقة الدفع الذكية استهلكت الساعة الحادية عشرة ليلاً ونفذ الماء؟!. أليس هذا درباً من الانحطاط بالإنسان إلى مستويات يعجز عنها ظرف الزنازين بالذات!؟. يقول بعض الظرفاء في رام الله إن بعض الفيلات في الطيرة والمصيون قد ظلت بدون كهرباء لبعض الوقت خلال المنخفض العاصف الشهر الماضي لأن أصحابها لم يتمكنوا بسبب تعطل كل شيء من الحصول على الكهرباء على الرغم من أنهم من الفئات الميسورة القادرة على شراء الخدمة وبالسعر الذي يحدده المزود. ماذا يفعل الفقراء في هذا السياق؟ هل يمكثون مرتين أو ثلاث مرات في الشهر بدون كهرباء لبعض الوقت؟ وهل سيتكرر هذا السيناريو مع "سلعة" الماء الأشد خطراً؟

الصحة العامة والأمراض:

حتى في بريطانيا العجوز العظمى وصاحبة براءة اختراع خصخصة المياه تم بعض التراجع عن التطبيق الحرفي للفكرة بعد أن انتشرت الدوسنطاريا في بعض أحياء الفقراء على إثر تركيب عداد الدفع المسبق. أما في كوازولو في جنوب أفريقيا التعسة بالتخلص من التمييز العنصري ومجيء حكومة سوداء أجرأ من سلفها الأبيض على التلاعب بحياة العباد فقد أصيب قرابة 114000 من سكان المنطقة المعدمين بالكوليرا بعد استخدام العداد سيء السمعة مباشرة. وهذه عينات من المخاطر الصحية التي يمكن أن تترتب على وضع المصلحة الاقتصادية العمياء لرأس المال أو المصلحة المتصلة بتوفير المياه –لإرضاء البنك الدولي وإسرائيل- في المكان الأول، ووضع حياة الإنسان الفلسطيني في المكان الثاني.

وماذا عن الأخلاق العامة؟

 ما الذي سيحصل عندما تصبح الخدمة مدفوعة مسبقاً؟ سوف تصبح ظاهرة سرقة المياه إحدى العناوين الرئيسة للنزاعات والمشاكل لترفع نسبة العنف وتقدم سبباً آخر لتقويض السلام الاجتماعي. غريب بالفعل أن صانع القرار الفلسطيني لا يدرك هذه البدهية، في سد الطرق في وجه الناس الفقراء بحيث لا يظل أمامهم من طريق إلا سرقة المياه من خزان أحد الجيران المحظوظين. إن هذا للأسف سيؤدي إلى نشر السرقات على نطاق واسع...

وأخيراً نستطيع أن نقول بثقة تامة إن خصخصة المياه ستؤدي إلى تعميق معاناة الفئات الشعبية. ونستطيع أن نتوقع على الفور أن نقص المياه في المنزل سوف يدفع ثمنه الأطفال والنساء والمعوقين والكبار..

إننا في بيسان، إذ نحذؤ من المخاطر التالية لتطبيق هذا النظام:

  1. إن تطبيق هذا النطام سيزيد من معاناة الفئات الشعبية والفقيرة، ويخلق تكلفة إجتماعية باهظة في المجتمع.
  2. هنالك تكلفة صحية باهظة تتهدد الفقراء ومحدودي الدخل والحالات الإجتماعية.
  3. إن تطبيق هذا النظام هو تجسيد لسياسات السلطة الفلسطينية في مضيها قدما في تسليع الخدمات الاساسية وتحويلها سلعا للبيع بدلأ من أن تكون حقوقا للناس.
  4. القطاعات الشعبية هي المتضرر العريض، مقابل قلة بسيطة من شركات القطاع الخاص هي التي ستنتفع من تطبيق هذا النظام، وهذا أيضا يمثل تجسيدا لتبني السلطة الفلسطينية نهج الخصخصة ووضع الناس تحت رحمة الإستثمار وجني الارباح.

وعليه نهيب بكل القوى والأحزاب والفعاليات التحرك لوقف استمرار سياسات الخصخصة والتسليع وحماية المواطن.

كلمات مفتاحية: